من إين تسلل الخراب إلي قريتي (2)
اتساءل دوما مرارا وتكرارا وافكر في حياتنا وايامنا ،اتابع قصص اجدادي ،احيانا انظر الى مقابر قريتنا مع صمت تام وخوف شديد واطلب المغغرة والعفو من الله اذا شق غنمي المقابر على غفلة مني اعض السبابة واتف على التراب مع استغفار ثم افر بعيدا لانتظر غنمي حتى يقبلوا اليّ وكان ذكر الموت عندنا مخافة كبيرة وعظيمة لا يتجرأ احدنا ذكره.
قصة دمبوشي التي ذكرتها في الحلقة السابقة واصطفاف اهل قريتنا في المقابر كانت بالنسبة لي تعتبر سمعة سيئة ومنظر قبيح ،افجع النفوس وكسر القلوب وفي طياتها مرارات لا تغفر ولا تنسى الا الصبر وانتظار عدالة السماء هو الخيار والى الله ترجع الامور .
وما تلك الا قصة عابرة احدثتها الايام ولاقى فى ديارنا بيئة خصبة اعدت لها الاسمدة من قبل على غفلة تامة من اهلها وانّى لنا العلم ونحن بمنزلة يوسف حين القيّ في غيابة الجب وما اجمل الابرياء واقبح الظلم والظالمين!
ارى نفسي عدم الموضوع حين اخوض في بعض القصص واتتبع اثرها من بعيد ولكني اجد نفسي في الواقع فرضت عليّ من غيري ولابد ان احكيها حتى وان كانت مملة وضياع الوقت وهل لنا الوقت لنخشى عليه ولماذا نخشى تلك مصيرنا التى دبرت لنا من تحت الطاولة دعوني احكي لكم عن كل شئ وان شئتكم اخبرتكم عن نفسي وما يجول في خاطري دعوني احكي لكم عما اخرجتني من قريتي وابعدني عن دياري وودياني وادي هور ،وداي سيرا ،وادي سنط ،وادي كاجا تلك دياري انها (ارو) يعني عرب لكن هم انفسهم لا يدرون اذا سألتهم لماذا تلك العدواة والقتال عبر السنين مرات اسأل ما جذور تلك العداوة التي بيننا اقصد نحن الزغاوة و العرب ربما بعضكم يتهمني بالكذب لكنني ارى العدواة من اقوالنا فمثلا حين يسقط النجم في الليل ليقول احدنا دون قصد (ارو مرا تار كورو كيلي)يعني فليسقط رأس عربي، او ليحلف احدنا فيقول (ارو مارا كو إكيلِي) يعني فليقتلني العربي.
من ناحية اخرى ارى العدواة التي بيننا ناشئة عن الطبيعة نحن والعرب جيران منذ عمد بعيد وما هي الا تلامسات القبلية والغارات التي صاحب حياة الانسان في البادية ،الثأرات والايام يأخذونها ونأخذها وهناك صلات القرابة والدم وبيننا تزواج وعواصر القربى لكن سؤال هنا:
ما الذي طوّر تلك العداواة واستغلها لصالحه؟
فلتأتي الاجابة صريحة وواضحة هي حكومات السودان .
ومن هنا بدأ الحكاية، ذات يوم كنت جالسا في بيتنا كالعادة عند الصباح يسلم الجيران بعضهم وكان احد اعمامي يكنى بابي محمد سلم علينا وسألت امي اين هو ابنه محمد قالت :
جيش قتلوه.
فقلت:ماذا يعني الجيش
قالت: الحكومة
فقلت: ما الحكومة
قالت العسكر هنا عرفت انهم اولئك الذين يلبسون ملابس مرقدة ويحملون السلاح وحاولت ان اسألها سبب الذي قتلوه وكالعادة هي لا تعرف قالت لا اعرف ثم توالت الايام وفي يوم اجتمع اهل قريتنا في المسيد يتحدثون عن (ارو)عرب ويتكلمون عن التجيهزات والاسلحة،" فلان انت سلاحك وين وكم عندك من الذخيرة "ولم يمضي طويلا حتى سمعت عويل النساء في احدى بيوتاتنا فلما ذهبنا اليها قيل لنا ان فلانا قتل في المعركة في جنوب وادي سيرا ما يحيرني عن نفسي كل هذه التجهيزات والمعسكرات القتال بين هذا وذاك على مرعى وعلم من الحكومة لكنها لم تحرك ساكنا وانها في صمت عميق وما ادراك ما الحروب وما افجع نتائجها ان كان عبثا بلا معني كتلك التي تدور راحاها في جنوب وادي سيرا على ارواح الابرياء ومن اعزائي واقرب الناس اليّ من قريتي وقرى التي تجاورها وتلك هو الخراب نفسه يتسلل الينا وتلك هي خطواته وكان احر من الجمر حين يضع اقدامه عند بيت ما حيث يخلف من بعده طفل متيم وام ثكل وفتاة ارملة وكان يختار موضع اقدامه بالعناية حيث تحل الشجاع والكرم و الرجولة مما يثير الغضب وتنادي النفوس بالثأثر ويا لثأرات فلان وبتلك العبارات تشحن النفوس وتثير الغضب وتزداد يوما بعد يوم عدد المطالبين بالثأر من ارو ثم تطورت الاسم ليصبح( موريو) وحديثها اصحب حديثا تحكى في جلسات الشباب وخطرا تداهم البيوت وتأخذ اعز ما فيها وذكرى للايام بعد ان كانت للاعوام.
ما ادراك ما وادي سيرا وجنوبه كأنه وادي اشباح لا زرع فيه ولا بئر مليء بالبعوض والحيات وحولها تكمن الجوع كأنه مسكن الجنون ،ذات مرة كنا نمشي بالليل نبحث عن صيد ما لنأكل كعادة الرعاة يحبون الصيد ليس لغرض اللحم ربما لحاجة في نفس يعقوب الحبارة ،جداد الخلاء ، الغزال ، الارنب ، تلك التي ذات الشوك تدعي ب(جركوي)لم اعرف اسمها بالعربية كانت ضحية الكبرى للصيد ليس للذة لحمها بل لاكمال السبعة لاجل دخول الجنة ذلك كانت اعتقادا ساعدا عند الرعاة يظنون من يأكل السبعة في حياته يدخل الجنة لا ادري من الذي قال لهم ذلك، بينما كنا كذلك طار من امامنا طائر احسب اننا ازعجناه او اخفناه وكان له صوت محتواه كأنه يقول (فقران تعبان، فقران تعبان) فرجعنا عن الفور وكان البعوض اكبر كارثة ولم تتوفر لدينا ناموسيات ،نحن الصغار ننوم مع من حظي بالناموسية اما الشباب ينومون فوق الشجر بمراقد لهم جهزوها بشكل محكم على الشجرة تسمي (انودا) نسبة ل( انو) يعني البعوضة تفاديا من البعوض لانو البعوض قلما تطير فوق مترين او ثلاث وبذلك سِلموا منها وشاء الأقدار ذات مرة صعد الى مرقد احدهم الثعبان واصدر صوته المخيف ووجدنا صاحبنا كأنه ذات الجناح محلقا من اعلى الشجرة ليهبط على الارض بالسلام وكان الضحك سيد الموقف وكم من فقير مات في تلك الاشباح ليس للفقر فسحب كان لدينا من الضأن ما لا تحصى ومن الابل ما يملأ العين ويسر وكنا نسقي الخيل من اللبن لكثرته واللحم يحرسه (الحِدية) نوع من الصقور وترقد الفتية فوق الشجر ليس لنقص في شئ لربما لترفيه او قرار وادي سيرا الذى كان يعتبر حصارا بقوة ماءها التي لا ندري من اين تاتي !
تلك هي حياتنا ونحن مرتاحون لها ولكن هناك دائما ما يفسد الراحة للانسان دون توقع او علم مسبق من قبل الآخرين تلك هي سنة الحياة.
وهناك محطات لابد ان نمر منها كي نحدد بدقة من اين تسلل الخراب الى قريتي.
ام كبدية
بئر قرجي قرجي
بئر طويل
حابور
جنجويد
انتنوف
هليكبتير
حرق قريتي و فرار منها
بقلم
محمد حامد
........نواصل.
mohamed200702@Yahoo.com

ليست هناك تعليقات